مجزرة بن طلحة .. وجع لن ينسى

آخر تحديث : الثلاثاء 26 سبتمبر 2017 - 11:08 مساءً
2017 09 26
2017 09 26
مجزرة بن طلحة .. وجع لن ينسى

في صيف 1997، وبينما كانت الجزائر تواجه حربا أهلية بدأت قبلها بخمس سنوات، وقعت سلسة مجازر فيما يسمى “مثلث الموت”، لاسيما بمنطقة البليدة المحاذية للعاصمة. وفي ليل 22 و23 أيلول/سبتمبر، تعرضت بلدة بن طلحة، بدائرة براقي، لأكبر مذبحة جماعية عرفتها البلاد وقتل فيها أكثر من 400 شخص. ورغم مرور عشرين عاما على هذه المأساة إلا أن عائلات الضحايا لا تزال تتألم لذكرى موتاها وبشاعة هذه العملية.

في ليل 22 و23 أيلول/سبتمبر، دخلت جماعة مسلحة مكونة من عشرات الأشخاص الملتحين الذين يرتدون الزي الأفغاني الذي يميز المقاتلين الإسلاميين إلى بلدة بن طلحة، الواقعة بدائرة براقي، جنوب الجزائر العاصمة، وقتلوا مئات الأشخاص. واستمرت المذبحة بحسب شهود من العاشرة والنصف مساء إلى الفجر، مخلفة أكثر من 400 قتيل (نحو 100 قتيل حسب السلطات). وكانت هذه الجماعة مسلحة بالسكاكين والسواطير والبنادق، وانتقلت من منزل لآخر في حيي الجيلالي وبودومي بعد أن قطعت الكهرباء عن البلدة الغارقة في الظلام والرعب.

اقرأ أيضا...

بحسب عدة شهادات رصدتها الصحف الوطنية والدولية غداة المجزرة، كانت على أبواب المنازل المستهدف أصحابها إشارة خاصة. وقال شهود أيضا أن امرأة من بن طلحة التحق أهلها بالإرهابيين كانت تدل القتلة وتقودهم بين المنازل. ولم يفرق الإرهابيون بين النساء والرجال، بين الأطفال والشيوخ. فذبحوا وقطعوا الرؤوس وفتحوا بطون الحوامل وضربوا الأطفال عرض الجدران ووضعوهم في الفرن. وبعد فعلتهم، خرج الإرهابيون من البلدة كما دخلوها، أي من دون أن يعترضهم أحد على الرغم من أن وحدات الجيش لم تكن سوى على بعد مئات الأمتار. فلا صراخ الضحايا ولا إبلاغ من فروا دفع قوات الأمن للتدخل، وقال العسكريون إنهم لم يتلقوا أمرا بالتدخل، فضلا عن أن البلدة كانت ملغومة ومظلمة.

ولا شك أن صورة ما عرف آنذاك بـ”مادونا (أو سيدة) بن طلحة”، التي التقطها مراسل وكالة الأنباء الفرنسية والتي تظهر فيها امرأة منهارة تستند لحائط بمستشفى زميرلي بحي الحراش في ضاحية الجزائر الجنوبية، أعطى صدى عالميا لمجزرة بن طلحة لتصبح رمزا للوحشية الإرهابية التي اجتاحت البلاد.

الناجون والشهود لم ينسوا شيئا من تلك الليلة القاتمة. لم ينسوا المتفجرات التي اقتلعت أبواب المنازل ولا صفارات الإنذار التي أطلقها السكان للإبلاغ بالهجوم، ولا صوت الكلاشنيكوف المرعب ولا صدى الصراخ المتصاعد من البلدة ولا طائرة الهليكوبتر التي ظلت تطوف ببن طلحة.

ويعاني غالبيتهم اليوم من آثار سيكولوجية (نفسية) لم تعالج حتى الآن، حتى أن بعضها تحولت لأمراض عقلية. وهذه المخلفات ناتجة عن المشاهد الشنيعة التي باتت راسخة في أذهانهم رغم قوانين المصالحة التي أقرها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة منذ توليه الحكم في نيسان/أبريل 1999، وأبرزها قانون “الوئام المدني” في تموز/يوليو 1999 و”ميثاق المصالحة الوطنية” في شباط/فبراير 2006.

“قلوبنا ماتت”

فاطمة (اسم مستعار) واحدة من شهود مجزرة بن طلحة. وقد فقدت هذه المرأة البالغة من العمر 55 عاما سبعة من أقاربها خلال العشرية السوداء: زوجها، زوج والدتها، أربعة من إخوتها، وحفيدها.

“في 1997، عندما وقعت المجزرة، كنا نسكن على مشارف المدينة. وأخي أول أفراد الدفاع الذاتي [الذين تشكلوا في الجزائر ابتداء من 1993 لمقاومة الإرهابيين] في بن طلحة، وأمي أيضا حملت السلاح ضد الإرهاب. عندما تلقينا خبر وقوع المجزرة سارعنا راكضين فجرا إلى عين المكان، وكانت ابنتي الصغيرة (التي كانت آنذاك في قسم الثالثة ابتدائي) برفقتي. لقد رأت إحدى صديقاتها مقطوعة الرأس وظلت مصدومة إلى اليوم.

ورأينا مشاهد لا توصف ولا تطاق: رؤوس مقطوعة وأجساد محروقة أو متقطعة… قلوبنا ماتت منذ تلك اللحظة. كيف أنسى هذا الجار الذي كان يرمي أولاده من خلف الجدار أملا في إنقاذهم من الإرهابيين، ولكن المسكين كان يجهل أن هؤلاء كانوا يذبحون الطفل فور وقوعه على الأرض. وكان الناجي الوحيد من عائلته إذ أنه تخبأ تحت شجرة الموز. ولكنه أصيب بالجنون.

لقد أصبح أطفالنا مرعوبين وكأنهم اليوم براكين نائمة. إحدى بناتي، التي تزوجت وأنجبت ثلاثة أولاد، لا تزال عرضة للاضطراب. أما والدتي فقد تتكلم مع نفسها.

أسكن دائما في بن طلحة. وبصفتي ضحية للإرهاب أتقاضى منحة من الدولة قدرها سبعة آلاف دينار (أي نحو 50 يورو) في الشهر. كيف أعيش بسبعة آلاف دينار؟ أنا مستاءة للغاية ومحبطة.

العفو عن الإرهابيين؟ وهل يمكن أن نعفو بعد كل ما حدث؟ الرئيس بوتفليقة أقر قانون الوئام المدني ولكن لا نتسامح معهم أبدا. فنحن نعيش ونفكر فيمن قتلوا، وفي كل 22/23 أيلول/سبتمبر تعود المشاهد المرعبة إلى الذاكرة. ونتفكر كيف كان حي الجيلالي وكيف أصبح…

“ولم يتوقف القتل سوى مع بروز الفجر”

نادية (اسم مستعار) كانت في 28 من عمرها عندما وقعت مجزرة بن طلحة. وكانت تعيش في هذه البلدة مع ابنتها البالغة عامين آنذاك. ورغم أنها لم تكن تسكن في حي الجيلالي إلا أنها سمعت صراخ الضحايا وطلقات الرصاص وهلع السكان للهرب من قبضة الإرهابيين.

كان الإرهابيون دائما يهددون سكان بن طلحة ويتوعدونهم بارتكاب مجزرة بحقهم. وكان أحدهم، وهو من أبناء بن طلحة، قد قالها علنا بعد مذبحة الرايس (القريبة من هذه البلدة): “أنصحكم بالرحيل قبل فوات الأوان”. وكانوا غالبا ما يدخلون البلدة ويطالبون السكان بالطعام وكل ما يحتاجونه. وفي تلك الليلة، وضعت علامات في أبواب المنازل المستهدفة، ما معناه أنها لم تستهدف من باب الصدفة.

وقعت المجزرة ليل الاثنين الثلاثاء (22/23 أيلول/سبتمبر). بدأ الصراخ وانطلقت صفارات الإنذار نحو العاشرة والنصف مساء. انقطع الكهرباء فغرقت البلدة في الظلام، وخرجنا إلى الشارع حفاة، بعضنا بلباس النوم. سمعنا للقصف، كأننا في حالة حصار. ورأيت أشخاصا قفزوا من شرف منازلهم، ورأيت امرأة حامل فتحوا بطنها.

تمكن بضعة أشخاص من الفرار لوسط البلدة، وساد الهلع في كل مكان. قضيت ليلتي خارج البيت، واختبأنا أنا وابنتي في مكان خفي وكانت تبول من شدة الخوف. ولم يتوقف القتل سوى مع بروز الفجر.

وفي الساعات الأولى من الصباح، خيم الحزن على بن طلحة، كل شيء كان غريبا. هذه المشاهد لن أنساها أبدا. في ساحة مدرسة ابن باديس، وضعت الجثث جنبا إلى جنب، كبار وصغار وأطفال… وضمن هذه الجثث عدة أشخاص كنت أعرفهم. ومن شدة الألم والصدمة، أصبت بنزيف وتم نقلي إلى المستشفى.

وفي مثل هذا اليوم (23 أيلول/سبتمبر) من كل عام، تعود الذكريات إلى الذهن ويعود الألم معها. لقد عشنا مع عدو خفي مدة عشر سنوات، ولدي إحساس غريب بأن بلادنا فشلت في حماية أبنائها. لا أحد هنا يعرف لماذا لم نحظ بالحماية رغم وجود الجيش والحواجز الأمنية.

ما يمكن قوله اليوم؟ الإرهابيون ينعمون بالرفاهية والأموال، ولكن نحن سرقت عشر سنوات من حياتنا وكلنا مصابون بمرض ما. في سنوات التسعينات، كنت في العشرينات من العمر ولكن تعذر علي مزاولة الدراسة.

أنا مريضة ولكن لا أدري بأي داء. أخاف من كل شيء وأرهب أن يمشي أحد خلفي حتى ولو كان شخصا أعرفه. هذا قضاء الله! ما عشناه لن ننساه ولن نسامح من قتلوا وذبحوا.

“سأظل أفكر في تلك الليلة حتى الموت”

مسعود (60 عاما) هو أحد الناجين من مجزرة بن طلحة، وما زال يسكن في حي الجيلالي. وبالنسبة إليه، فإن الجيش هو من قتل أولاده العشرة وزوجته رميا بالرصاص. وهذا ما يقوله مرارا منذ عشرين عاما.

“قتلوا أولادي ولم يبق سوى أنا. وبالنسبة إلي، فإن الحكومة هي التي نفذت المجزرة. لماذا نتحدث عن الإرهاب، لم الكذب؟ أليست الحكومة من خلقت الإرهاب؟ انظروا إلى الذين استفادوا من قانون الوئام المدني: لديهم منازل وعمل وهم أحرار!

أقسم لك بالله أني مستعد أن أفجر نفسي في العاصمة، وسط الوزراء. أتذكر أن في تلك الليلة، كان ضابط في المخابرات واقفا هناك (يشير إلى عمود كهرباء على بعد 20 مترا). فقلت له: “إذا كلكم إرهابيون”، فرد قائلا: “إن مهمتي أن أحث من حملوا السلاح أن يسلموا أنفسهم”.

الكل يعلم ما حصل. كان عددهم كبيرا، وبدأوا فعلتهم من الساعة العاشرة و40 دقيقة مساء لغاية الفجر. لا أحد تدخل. الشرطة تقول إنها لم تتمكن من دخول بن طلحة ولكن ما الذي منعها من أن تطوق المكان وتمنع القتلة من الفرار؟ ولماذا لم يطلقوا ولو رصاصة واحدة؟ حسب رأيي، لم يطلقوا النار لأنهم خافوا أن يصيبوهم.

ماذا تلقيت مقابل مقتل أولادي وزوجتي؟ 490 ألف دينار (أي نحو ثلاثة آلاف و700 يورو). لا أحد يبالي، ناهيك عن الرشوة التي تحيط بالتعويضات التي تمنح لضحايا الإرهاب! حتى جمعيات الضحايا تفكر أكثر بمصالحها ولا أحد يكترث بنا. أما القتلة، فلديهم كل ما يحتاجونه من المال والسكن والشغل.

وعندما أرى هذا الشخص أو ذاك يقيم حفل زفاف لنجله وابنته، أتحسر على نفسي: أين أولادي؟

لقد تزوجت من جديد ولدي اليوم ثلاثة أولاد، ولكني أظل أفكر في تلك الليلة رغما عني. عالجت الجراح لدى أطباء نفسيين ولكن لا شيء يجدي. “سأظل أفكر في تلك الليلة حتى الموت”. لا يمكنني أن أنسى تلك الليلة.

رابط مختصر
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة معاينة قالب - NewsBT الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.